SHARE
عَوْدٌ على بَدْء
لقمان سليم
Lokman Slim

اغتيل الناشر والباحث والكاتب اللبناني لقمان سليم مساء الثالث من شباط/فبراير ٢٠٢١. كان في طريق عودته من زيارة لأحد أصدقائه في بلدة نيحا جنوب لبنان، حين تعرّض للاختطاف على بُعد نحو كيلومتر واحد من موقع تابع لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). وفي صباح اليوم التالي، عُثر على جثمانه داخل سيارته في بلدة العدوسية، على مسافة تقارب أربعين كيلومتراً من مكان اختطافه. ووفقاً للتقرير الطبي الشرعي، قُتل سليم بكاتم صوت، إذ أُصيب بست رصاصات: واحدة في الظهر والبقية في الرأس.

أُسند التحقيق الجنائيّ بداية إلى النائب العام الاستئنافي في الجنوب، القاضي رهيف رمضان، باعتبار أن الجريمة وقعت ضمن منطقة اختصاصه. بعد إنجاز التقرير الجنائي، أُرسلت القضية إلى قاضي التحقيق الأول في صيدا، عملاً بقواعد مناطق الاختصاص. إلّا أن محكمة التمييز أصدرت في حزيران/يونيو ٢٠٢١، بناءً على طلب المدّعي العام التمييزيّ القاضي غسان عويدات، قرارًا بنقل الملفّ من صيدا إلى بيروت، وذلك على إثر ضغط متواصل من عائلة سليم. في بيروت أُسند الملف إلى قاضي التحقيق الأول القاضي شربل أبو سمرا، الذي أُحيل إلى التقاعد في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٣، فخلفه في هذه المهمّة القاضي بلال حلاوي، وذلك في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٣.  في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٤، أصدر القاضي حلاوي قرارًا بحفظ الملفّ إلى حين ظهور أدلة جديدة، ما أدّى عمليًا إلى تجميد التحقيق.

تزامن قرار القاضي حلاوي مع طعن قانوني تقدّم به محاميا العائلة، موسى خوري وديالا شحادة، في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤ أمام محكمة التمييز، استناداً إلى ما عُرف بالارتياب المشروع. وفي آذار/مارس ٢٠٢٥، قضت المحكمة بإعادة فتح القضية. وفي نيسان/أبريل ٢٠٢٥، تمّ تعيين القاضية رولا صفير لمتابعة التحقيق في ملابسات اغتيال لقمان سليم.

منذ تأسيسه دار الجديد للنشر في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، انخرط لقمان سليم في مشروع فكري محكم، قائم على المساءلة النقدية والمستمرة للسرديات السائدة. ومن خلال النشر وإعادة النشر، طرح وأعاد إلى التداول نتاجات فكرية تفكك الحداثة وتتناول التحوّلات الاجتماعية والدينية والسياسية في لبنان والمنطقة الأوسع.

اعتبر سليم أن حفظ ذاكرة الحرب الأهلية ضرورة معرفية بقدر ما هو ضرورة سياسية ومدنية في آن. وبالاشتراك مع زوجته، مونيكا بورغمان، أسّس عام ٢٠٠٥ مؤسسة «أمم للتوثيق والأبحاث» بوصفها إطاراً مؤسساتياً دائماً مكرّساً للأرشفة والتوثيق والانخراط النقدي في قضايا متعددة، ليس العنف السياسي آخرها.

خلال تلك المرحلة، بلور سليم خطاباً سياسياً لبنانياً سيادياً جامعاً، مستنداً إلى دولة القانون. انتقد قانون العفو العام، وندّد باحتكار مؤسسات الدولة من قبل "الثنائي الشيعي" - حركة أمل وحزب الله- وعارض باستمرار رفض حزب الله وضعَ سلاحه تحت سلطة الدولة اللبنانية. دعم عام ٢٠٠٥ "ثورة الأرز" التي أدّت إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان، وواجه علناً تحكّم حزب الله بقرار الحرب والسلم الذي بلغ ذروته في حرب تموز/يوليو ٢٠٠٦. وحين تدخّل حزب الله عسكرياً في سوريا عام ٢٠١١ دعماً لنظام الأسد، وقف سليم، ومعه شخصيات سياسية وثقافية من مختلف الطوائف اللبنانية، في طليعة المندّدين بهذا التدخل، معتبراً إيّاه تعريةً لا لبس فيها للصلة العضوية بين حزب الله ونظام «ولاية الفقيه» في إيران.

شهدت هذه المرحلة انطلاق حملات تشهير ممنهجة ضدّ المعارضين الشيعة لحزب الله. وكان لقمان سليم، المعروف ببلاغة خطابه وإصراره على المساءلة العلنية، من أبرز المستهدَفين فيها. وقد تصاعد خطاب سليم، وبموازاته حملات التشهير، إلى مستويات غير مسبوقة مع انزلاق الثورة السورية إلى حرب أهلية، وتحول حزب الله إلى فاعل عسكري إقليمي، وإحكام سيطرته على مفاصل إدارية أساسية في الدولة اللبنانية، وتنامي القلق داخل البيئة الشيعية مع تزايد أعداد القتلى في سوريا، واندلاع الاحتجاجات الشعبية الواسعة المطالِبة بالإصلاح السياسي في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩.

في ١٢ كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٩، تلقّى لقمان سليم تهديدات مباشرة بالقتل. اقتحم شبّان أحد المنتديات الذي افترض خصومه أنّه كان موجوداً فيه، كما حاولت مجموعة من الرجال اقتحام حديقة منزله العائلي في حارة حريك، الحي الذي رفض مغادرته رغم تصاعد المخاطر. وفي صباح اليوم التالي، عُثر على ملصقات ورقية على جدران الحديقة، كُتب على أحدها «المجد لكاتم الصوت».

رداً على ذلك، وجّه سليم إلى الدولة اللبنانية بياناً خطياً طالباً فيه الحماية، متّهماً حركة أمل وحزب الله بشكل مباشر بالوقوف خلف هذه الاعتداءات، ومحمّلاً إياهما مسؤولية أيّ مكروه قد يطاله أو يطال عائلته ودارته. واستمرت التهديدات بالتصاعد، لتبلغ ذروتها في الشهرين الأخيرين اللذين سبقا اغتياله.

قبل أسبوعين من مقتله، ظهر سليم على قناة «الحدث»، مقدّماً تحليلاً موثّقاً أكَّد فيه أن نيترات الأمونيوم المخزّنة في مرفأ بيروت - والتي أدّى اشتعالها إلى الانفجار الكارثي في ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ - كانت تُنقل بشكل دوري إلى سوريا وتُستخدم في تصنيع البراميل المتفجرة.

تزامن اغتيال لقمان سليم مع نمط إقليمي تواترت فيه اغتيالات ممنهجة استهدفت ناشطين شيعة معارضين للنفوذ الإيراني، لا سيما في العراق، وكان من أبرزها اغتيال هشام الهاشمي. ويضع هذا التوازي الجريمة في سياق شكلٍ انتقائي من العنف السياسي العابر للحدود، يستهدف شخصيات تعمل جهاراً على الكشف والتوثيق والنقد لفئات إيديولوجية مسلّحة مترسّخة في السلطة.

تخوض عائلة لقمان سليم مساراً قانونياً طويلاً اتّسم حتى الآن بمرحلتين أساسيتين. انتهت المرحلة الأولى في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٤ بقرار حفظ القضية، ما ضيّق عملياً هامش الحركة أمام العائلة التي استنفدت كل السبل المحلية والدولية لحمل السلطات اللبنانية على تحديد الجناة.

أما المرحلة الثانية، فقد تبلوَرت في أعقاب تطوّرين إقليميّين بارزين. الأول كان الردّ العسكري الإسرائيلي على «جبهة الإسناد» التي أعلنها حزب الله عقب هجوم حركة حماس في ٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣، وهو ردّ غير مسبوق استهدف قيادة الحزب وبنيته التحتية، وأدّى إلى إضعافه بشكل ملموس. أما التطور الثاني فتمثّل في سقوط نظام الأسد في ٨ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٤، وتسلُّم أحمد الشرع السلطة في سوريا. وقد أربك الحدثان خطوط الإمداد الإيرانية التي كانت تمكّن حزب الله من المحافظة على هيمنته على الحقل السياسي الداخلي في لبنان، حيث بدأت تتشكّل معادلة سياسية جديدة: انتُخب رئيس للجمهورية في كانون الثاني/يناير ٢٠٢٥، وتشكّلت حكومة جديدة في شباط/فبراير ٢٠٢٥، اتّخذ في إطارها وزير العدل، عادل نصار، خطوات أساسية تتعلّق بملف الاغتيالات السياسية، من بينها إعادة فتح ملف اغتيال لقمان سليم.

إن اغتيال لقمان سليم، وما تلاه من تعطيل وتعليق طويل للإجراءات القضائية، يجسّد حالة من السيادة الجوفاء: دولة بمؤسسات قائمة شكليّاً وخاوية من الداخل، عاجزة عن حماية من يشرع بالمصارحة والمساءلة والمحاسبة في جرائم القتل السياسي. وبالتالي، فإن استمرار الإفلات من العقاب في هذه القضية ليس عرضياً، بل هو بنيوي ذو وظيفة تأديبية، يوجّه رسالة واضحة حول مخاطر إنتاج المعرفة والتوثيق في نظام سياسي يصبح فيه فعل والاعتراض بحد ذاته جريمة يُعاقَب عليها.



SHARE